الشيخ محمد الصادقي
472
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
41 - وَيا قَوْمِ ما لِي من ضلال كما وما بالي أن أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي أنتم إِلَى النَّارِ فلا تكتفون بعدم قبول النجاة ، بل وتدعون الناجي إلى النار ، وليس فيّ مطمع في دعوتكم النارية ولا مطمح . 42 - تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ في الألوهية الوحيدة وبراهين توحيده باهرة وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ مجاراة معهم في عدم علم بشريك وهو يعلم ألا شريك للّه وَ الحال أني أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ وليسا إلا اللّه الواحد القهار ، دعوة حانية أمام دعوة جانية ، رغم كافة القوات الظاهرة للثانية ، ومن ثم : 43 - لا جَرَمَ : لا بد حقا دون ريب أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من طواغيت وأصنام ، إضافة إلى عدم العلم بمشاركتهم في الألوهية ، نعلم عدمها ، إذ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا بل " لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ " ( 13 : 14 ) فلا دعوة حقة للمعبودين من دون اللّه هنا ف " إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ " ( 35 : 14 ) وإنما لهم دعوات ودعايات باطلة ، ثم ولا بد للإله من دعوة بنفسه أو بوسيط رسول ، وليست لهم هذه ولا تلك ، آلهة خاوية عن أية دعوة حقة في الدنيا وَلا فِي الْآخِرَةِ فمن لا دعوة له هنا فكيف تكون له دعوة هناك وَأَنَّ مَرَدَّنا مرجعنا إِلَى اللَّهِ لا سواه وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ . 44 - فَسَتَذْكُرُونَ حق ما أَقُولُ لَكُمْ كما ذكره السحرة بعد ثعبان العصا ، وذكره الفرعونيون عند غرقهم في اليم ، ثم في البرزخ ، ومن ثم يوم القيامة وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ في دعوتي إلى اللّه ، ف إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وهذه آية وحيدة في تفويض الأمر إلى اللّه ، في حالة محرجة عسيرة أمام الطاغية ، بعد كمال الجد في الدعوة إلى اللّه ، فلم يبق إلا ما لا حول له ولا قوة به ، وهنا التفويض - بعد التقويض - إلى اللّه ، دون الأمور المستطاعة ، أن تترك تفويضا إلى اللّه ، بل أمر بين أمرين ، دون جبر ولا تفويض ، أن يعمل المكلف عمله المرضي عند اللّه ، متوكلا في نجاحه على اللّه ، ولا قوة إلا باللّه . 45 - فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا مهما قتل دون دعوته أم لم يقتل ، فإنها - فقط - الوقاية الرسالية عما مكروا ، ثم أخيرا وَحاقَ أحاط بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ بحسن عدله سبحانه ، حين " فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً " ( 17 : 103 ) و " سُوءُ الْعَذابِ " هنا هو : 46 - النَّارُ البرزخية في اليم نفسه يُعْرَضُونَ عَلَيْها عذابا برزخيا ، دون إحاطة شاملة كما في القيامة ، ومما يدل عليه غُدُوًّا وَعَشِيًّا وليس في الآخرة غدو وعشي ، ولا راحة لأهل النار بينهما ، ثم برهان ثان وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يقال لخزنة جهنم أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ : فرعون وأتباعه أَشَدَّ الْعَذابِ إذ كان أوله غرقهم والثاني حرقهم في نار البرزخ . 47 - وَ اذكر إِذْ يَتَحاجُّونَ آل فرعون وأضرابهم فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ منهم ، المضلّلون لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عليهم المضلّلين إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً دون استقلال أمام استغلالكم إيانا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا هنا نَصِيباً مِنَ النَّارِ كما أغنينا عنكم في حياة الاستكبار في الدنيا . 48 - قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كلّا فلكلّ نصيبه منها إِنَّا كُلٌّ فِيها كما نستحق دون إغناء إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ بعدله علينا وبفضله لأهليه . 49 - وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ مستكبرين ، وضعفاء مقصرين لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ التسعة عشر ادْعُوا رَبَّكُمْ إذ تستجابون دوننا يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً أيا كان هناك مِنَ الْعَذابِ لأقل تقدير .